هي منطقة وادي أبو جميل، أو منطقة وادي اليهود كما يطلق عليها، لمن لا يعرفها هي تقع بالقرب من وسط البلد وليس في وادٍ بين أحد الجبال، إلاّ أنها اليوم لم تعد كذلك لتصبح منطقة وادي سعد الحريري رسمياً.
متجولاً في منطقة قريبة من وسط البلد لا أعرفها من قبل، أتمسمر فجأةً أمام مبنىً قديم يظهر أنه قيد إعادة الترميم، يستوقفني ويدهشني كتابات ممهورة بالعبرية على كل جدرانه. كانت ردة فعلي الطبيعية وأنا أحمل الكاميرا لدى رؤيتي لذلك المشهد أن بدأت بأخذ الصور، وفي الوقت التي كنت أهم فيه بترك المكان الغريب الفريد يستوقفني رجلٌ على دراجةٍ ناريةٍ بلباس مدني، قائلا: \"ممنوع التصوير هون\". سألته متعجباً عن السبب، فكانت إجابته خارج نطاق سؤالي وبنبرةٍ ساخرةٍ: \"إنت من الجنوب ما هيك؟\". في تلك اللحظة فهمت أنني أحاور أحد رجال الرئيس الشجعان فأجبت: \"إي من الجنوب\". فردّ عليّ مستهزءاً أنه يعرف سائلاً: \"حزار كيف عرفت؟\" فكان ردّي أن الكتابة العبرية استوقفتني لذلك علم أنني ابن الجنوب. عندها أشار الى ما بعد الهيكل عابساً مهدداً: \"هون ورا بيت الرئيس الحريري\". نعم أصبح القصر هناك \"ماركة مسجلة باسم الحريري\". ثم حضر شرطيٌ آخر وأخذ يفتش في آلة التصوير ويمحي الصور مبقياً لي صورةً واحدةً عن ذلك الهيكل. 4
أكثر ما أثّر في قلبي حينها، أنه كان يحاول إهانتي لأنني ابن الجنوب ولأن الكتابة العبرية استفزتني. كأن الجنوبي وحده هو الذي يعاني من اسرائيل. وأن يكون هناك كلمات للغةٍ تعود الى عدوي في وسط عاصمتي هو أمر لا يجب أن يدهشني، أو كأن أولئك الصهاينة هم أعداءٌ لي وليسوا أعداءً له رغم أنه يعمل في جهازٍ أمني لبناني. ثم سألت نفسي لو أجبته بأنني من بيروت وأنا أملك دليلاً لأن نفوسي من الباشورة، فهل كانت المعاملة ستختلف؟ أو في حال كنت سائحاً أو خليجياً هل كان سيضرب لي التحية ويصبح الممنوع مسموحاً؟ وهل كان سيعرّف السائح على البيت بأنه بيت الرئيس الحريري أو بأنه القصر الحكومي؟!
إنها حال أولئك الذين لا يفهمون معنى السلطة التي يملكونها وكيف عليهم استخدامها، أولئك الذين يظنون أنهم بقطعة سلاح وبمحاولة استفزاز وبإهانة الناس سيجبرونهم على الخوف منهم واحترامهم، أولئك الذين يرعبون الشعب بدل حمايته، أولئك الذين هم في خدمة شخصيات لا بخدمة وطن.